الخطيب البغدادي

129

تاريخ بغداد أو تاريخ مدينة السلام ( تحقيق بشار )

كلهم ، فَقَالَ : إن كان ينشط مولانا لأكل طعام الملاحين فمعي ما يكفيه ، فمضوا فقالوا لَهُ ، فَقَالَ : هاتوا ما معه . فأخرج من تحت الطيار جونة خيازر لطيفة فيها جدي بارد ، وسكباج مبردة ، وبزماورد ، وإدام ، وقطعة مالح منقور طيبة ، وأرغفة سميذ جيدة ، وكل ذلك نظيف ، وإذا هي جونة تعمل لَهُ فِي منزله فِي كل يوم ، وتحمل إليه فيأكلها فِي موضعه من الطيار ويلازم الخدمة . فلما حملت إِلَى المقتدر استنظفها فأكل منها واستطاب المالح والإدام فكان أكثر أكله منه . ولحقته الأطعمة من مطبخه ، فَقَالَ : ما آكل اليوم إلا من طعام جَعْفَر الملاح ، فأتم أكله منه وأمر بتفرقة طعامه عَلَى من حضر ، ثم قَالَ : قولوا لَهُ : هات الحلواء ، قَالَ : فَقَالَ : نحن لا نعرف الحلواء ، فَقَالَ المقتدر : ما ظننت أن فِي الدنيا من يأكل طعاما لا حلواء بعده . قَالَ : فَقَالَ الملاح : حلواؤنا التمر والكسب فإن نشط أحضرته ، فَقَالَ لا ، هذا حلواء صعب لا أطيقه ، فأحضرونا من حلوائنا ، فأحضرت عدة جامات ، فأكل ثم قَالَ لصاحب المائدة : اعمل فِي كل يوم جونة ينفق عليها ما بين عشرة دنانير إِلَى مائتي درهم وسلمها إِلَى جَعْفَر الملاح تكون برسم الطيار أبدا ، فإن ركبت يوما عَلَى غفلة كما ركبت اليوم كانت معدة ، وإن جاءت المغرب ولم أركب كانت لجعفر ، قَالَ : فعملت إِلَى أن قتل المقتدر ، وكان جَعْفَر يأخذها وربما حاسب عليها لأيام وأخذها دراهم ، وما ركب المقتدر بعدها عَلَى غفلة ولا احتاج إليها . أخبرنا عَلِيّ بن المحسن الْقَاضِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيّ الْحُسَيْن بن مُحَمَّد الأنباري الكاتب ، قَالَ : سمعت دلويه الكاتب يحكي عَنْ صافي الحرمي الخادم مولى المعتضد أَنَّهُ قَالَ : مشيت يوما بين يدي المعتضد وهو يريد دور الحرم ، فلما بلغ إِلَى باب شغب أم المقتدر وقف يَتَسَمَّعُ وَيَطَّلِعُ من خلل فِي الستر ، فإذا هو بالمقتدر وله إذ ذاك خمس سنين